من نحن :: أخبارنا :: خدمات الموقع :: مشرف التحرير :: إشترك :: الدخول :: اسئلة معتادة :: وظائف ::    English Interface
    الوكـالــة الأخـبـــار تحـليــلات مركـز الدراسـات الأرشـيـــف
                     
RSS   23 إبريل, 2014
  الأخـبـــار
   تنصير وتبشير
   مساجد العالم
   مقاطعة
   لاجئون
   تغيير مناهج
   نزاعات حدودية
   حركات تمرد
   هندسة وراثية
   ميليشيات
   فساد
 الأخبار لموقعك
 أخبـار اليـوم
مختصرات   إقرأ أيضاً  :  تصنيف  :  تعليقات
كيف ترى الخرطوم أزمة دارفور؟ مبررات استخدام القوة العسكرية في دارفور (2)
الاسم الرسمي التاريخ 26 سبتمير, 2007

يكتب الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل، مستشار الرئيس السوداني ووزير الخارجية السابق، عن أزمة دارفور، من وجهة نظر الخرطوم، ويتناول في حلقة اليوم جذور النزاع الحالي، والخطوات التي قامت بها الحكومة للتصدى للعنف المتصاعد.
 


يرجع العالمون ببواطن الأمور وتداعيات الأزمة في دارفور مبعثها إلى نزاع قبلي وقع بسبب جمل سرق يوماً في منطقة كرنوى شمال دارفور، ودارت بسببه معركة بين مجموعتين من قبيلتين مختلفتين سقط فيها قتلى، ولم يتم الوفاء بدفع الديات اللازمة لما أريق وأهدر لأهل القتلى من الزغاوة. وقد سبقت حادثة كرنوى حادثة أخرى وقعت في منطقة تسمى بتاريك غرب دارفور، هجمت فيها مجموعة مسلحة من قبيلة المساليت على قافلة تنتمي لإحدى القبائل العربية، وقتلت المجموعة القافلة بكاملها، وفيها ستة من أعيان القبيلة العربية تلك، مما أدى إلى انفراط الأمن في المنطقة وأزف بالتفجر الشنيع، فسارعت الحكومة المركزية إلى نزع فتيل النزاع قبل أن تفلت الأمور ويراق مزيد من الدماء.

احتقنت الأوضاع في بعض أنحاء دارفور عدة أشهر ولكنها انفقعت مع حلول عام 2003 إذ كانت الميليشيات القبلية تتسلح في كرنوى وفي مرتفعات جبل مرة، وخططت لهجوم استهدف مدينة كتم، ثاني أكبر المدن بولاية شمال دارفور في أغسطس (اب) 2003، وبعدها بشهرين في أكتوبر (تشرين الأول) استهدفت منطقة مورني بولاية غرب دارفور، وكان أُس البلاء تسلل المتمردين إلى مدينة الفاشر، وهاجموا مطارها فجر الجمعة 25 أبريل (نيسان) 2003 ودمروا فيه 6 طائرات وحطموا إنارات مهبط الطائرات واختطفوا قائد سلاح الجو بالمنطقة العسكرية الغربية اللواء الركن إبراهيم البشري، وهو من أبناء الإقليم، بعد أن قتلوا حراسه وهو يغادر منزله نحو المطار.

تحت إشراف الرئيس التشادي إدريس دبي وقعت الحكومة السودانية في ديسمبر (كانون الأول) 2004 اتفاقا مع حركة انشقت عن الحركة المسلحة التي يتزعمها مناوي وعبد الواحد بقناعة أن الحل الشامل المتفاوض عليه سلميا هو الذي يمكن أن يحل مشاكل دارفور، وعبرت تلك الحركة عن ترحيبها للوساطة التشادية والاتحاد الأفريقي والتزامها بما تم الاتفاق عليه في أنجمينا في أبريل 2004، لوقف إطلاق النار، واتفاق أديس أبابا في 28 مايو (أيار) 2004 الخاص بتكوين لجنة وقف إطلاق النار ونشر مراقبين لذلك بدارفور، وبروتوكول أبوجا الصادر في 9 نوفمبر (تشرين الثاني) 2004 لتعزيز الأمن الإنساني في دارفور، والتزمت الحكومة بتجريد الميليشيات المسلحة من أسلحتها وتنظيم عمليات العودة الطوعية والتلقائية للاجئين والنازحين بسبب الحرب وإعادة دمجهم في الحياة الاجتماعية، وتم إطلاق السجناء والمعتقلين بأسباب مشاكل دارفور والحرب. وقد عاد بموجب ذلك الاتفاق كثيرون من الحرب وسلموا أسلحتهم خلال شهرين، بعد أن تم تحديد مواقع انتشار قواتهم.

ومع تجاوب عدد مقدر من حاملي السلاح مع نداءات وقف إطلاق النار وإعلان الرئيس السوداني العفو العام، كانت الجماهيرية الليبية قد تحركت وانتدبت د. عبد السلام التريكي وسيطاً، حيث اجتمع بقيادة حركتي تحرير السودان بزعامة عبد الواحد ومناوي والعدل والمساواة بزعامة خليل إبراهيم، وقدم لهما مقترحاً لتفعيل الآليات المشتركة لتطبيق الاتفاقيات المبرمة بينهم والحكومة في أنجمينا وابوجا وأديس أبابا تحت رعاية الاتحاد الافريقي، إلا أن الحركتين مارستا تعنتاً وتمسكاً بشروط لم يكن بمقدور الحكومة الاستجابة لها، من واقع أن الحكومة هي المسؤولة عن أمن وسيادة وأرض السودان، ولا تستطيع أن تسحب قواتها المسلحة التي هي قوات لحماية كل الشعب السوداني في دارفور وغير دارفور، وان أي استجابة أو خضوع لما طرحته الحركات من شروط يعد تفريطاً في أمن الوطن. طلبت اللجنة المشتركة لوقف إطلاق النار في دارفور، التي انعقدت في العاصمة النيجيرية أبوجا في 17 ديسمبر (كانون الاول) 2004 من الحركات المسلحة وقف هجماتها التي قصدت بها تعطيل النشاط التجاري وتدمير الهياكل الحكومية وبتركيز على مراكز الشرطة التي تحمي المواطنين، وكان مجلس السلم والأمن الأفريقي المُنشئ لتلك اللجنة قد أعرب عن قلقه عدة مرات من تدهور الوضع الأمني جراء تلك الهجمات، ووصفها بأنها أعمال غير مقبولة وتعد خرقاً واضحاً لاتفاقيات وقف إطلاق النار.

والحكومة من جانبها من باب حرصها على الوفاء بتعهدها للاتحاد الأفريقي، ومن قبل ذلك حرصها على استتباب الأمن وحماية مواطنها المسؤولة عنه أخلاقياً ووطنياً، التزمت بوقف عملياتها العسكرية التي كانت تشنها على مواقع التمرد وتعهدت لرئيس الاتحاد الأفريقي الرئيس النيجيري اوباسانجو باحتفاظها بالموقف الذي اتخذته تجاوباً مع الحكومة لتوفير أجواء مواتية لعقد جولة مفاوضات يشارك فيها المتمردون، كانت نيجيريا قد دعت إلى عقدها بعاصمتها أبوجا.

وقد أحصيت مرة خلال فترة شهرين 35 خرقاً من الحركات المتمردة للاتفاقيات التي أبرمت، أي بواقع خرق كل يوم والذي يليه، وقع 15 خرقاً منها في ولاية شمال دارفور، و18 في ولاية جنوب دارفور، واثنان في ولاية غرب دارفور، بل تمادى المتمردون واستغلوا وقف القوات الحكومية للعمليات العسكرية، فحاولوا نقل التمرد إلى ولاية كردفان، الأمر الذي أغضب الحكومة إلى الحد البعيد. واستشهد جراء تلك الخروقات عدد من المواطنين وقوات الشرطة وحرس الحدود، وأبرز المناطق التي هاجمها المتمردون كانت مناطق كرنوي وجبل مون وطويلة، التي أذكر أن قوات التمرد هاجمتها وهي آمنة ذات صباح باكر وقتلت من المواطنين والشرطة 29 نفساً وسقط ثلاثون جريحاً. وأخطرنا لجنة مراقبة وقف إطلاق النار وقام رئيس الاتحاد الأفريقي بإرسال ثلاث فرق بتواريخ وأوقات مختلفة للتحقيق في تلك الأحداث، واجتمع رئيس آلية وقف إطلاق النار بحضور الفرق المسؤولة عن المراقبة وأعضاء لجنة وقف إطلاق النار وتم الإقرار بأن دخول حركتي التمرد لمنطقة طويلة خرق فاضح لاتفاقية وقف النار، وطالبت الحركتين المتآزرتين وقتها بالانسحاب الفوري من طويلة وتعهد لهما رئيس آلية وقف إطلاق النار بألا تقوم الحكومة برد فعل عنيف جراء ما وقع. وامتثلت الحكومة لرأي الآلية، الذي طرح أيضاً للحركتين بتجميع القادة الميدانيين والعمد والقيادات الأهلية بالمنطقة للتفاكر حول حل الأزمة، وما أن تحركت رئاسة الآلية إلا ووقع هجوم آخر في منطقة خور طويلة على مرأى ومشهد آلية الاتحاد الأفريقي.

وفي ولاية جنوب دارفور أذكر أن التمرد استهدف مدينة عديلة وهجمت مجموعة منه على محطة السكك الحديدية وأحرقوها. وكان الطريق البري بين عاصمة جنوب دارفور نيالا وزالنجي هدفاً للحركات المتمردة تعترض العربات التجارية، بل لم تسلم قوات الشرطة الحارسة لمعسكرات النازحين من هجومات المتمردين، فقد هاجموا قوات الشرطة وقتلوا نقيباً ورقباء معه كانوا يقومون بالإشراف الأمني على بعض مناحي معسكر كلمة بجنوب دارفور، ومثلما درجت السلطات كل مرة أخطرت لجنة مراقبة وقف إطلاق النار، وهاجموا مدينة غبيش بقصد الولوج إلى ولاية كردفان واحرقوا في احدى المرات جزءا من حقل شارف للبترول. وكل الاعتداءات والهجومات أحصيت وقدمت بتواريخها وتفاصيلها إلى مجلس السلم والأمن الأفريقي. وأذكر أن الأخ أحمد محمد هارون وزير الدولة للداخلية آنذاك وزير الدولة للشؤون الإنسانية حالياً والمتهم الآن أمام مدعي لاهاي، كان إبان تلك الأحداث يؤكد دوماً أن الدولة تمارس أقصى درجات ضبط النفس، إلا في حالات الدفاع الشرعي، حماية لأمن الوطن والمواطن، وأن الحكومة ملتزمة بوقف إطلاق النار في أنجمينا وبروتوكولات المساعدات الإنسانية الموقعة في أبوجا، وواصفا الحركتين المتمردتين بالتنصل عن التزامات وقعتاها. ووفرت وزارة الداخلية قدرة حركة عالية لقوات من الاحتياطي المركزي دفعت بها إلى أنحاء ولايات دارفور المختلفة، ونفذت خططها التأمينية في المناطق التي بها نازحون بأعداد كبيرة ومناطق زارتها آلية وقف إطلاق النار المشتركة، وأبدت ملاحظات بشأن تأمينها. وتركزت الجهود الأمنية في شمال دارفور، حيث كانت تنشط حركتا التمرد في منطقة طويلة، ومعسكرات النازحين بمنطقة أبو شوك وزمزم على مشارف عاصمة شمال دارفور الفاشر، وفي ولاية جنوب دارفور معسكر كلمة قرب نيالا ومناطق ساني دليبة وابوعجورة، ومنطقة مورني والمناطق القريبة من عاصمة غرب دارفور الجنينة.

وفرضت سلطات الشرطة حظراً على حمل السلاح داخل المناطق التي حددتها، إلا للقوات النظامية القومية المحترفة أو المستنفرة وفق قانون الدفاع الشعبي بإجراءات التعبئة والطوارئ التي تفرض في كل دولة في مواجهة أي تدهور للأوضاع الأمنية. وتوالى الدفع بقوات الشرطة بصورة مستمرة، وتم تعزيز دور الإدارة الأهلية الأمني والإداري والقضائي، واتسق مع تلك الخطة استغلال الحكومة نفوذها السياسي والأمني فبنت مصالحات اجتماعية بين القبائل وأطلقت نداءات للسيطرة على السلاح. وفي رأيي أن تلك الخطط أسفرت تنصلاً وقع من عدد من حاملي السلاح عن التمرد بسبب عمليات الحصار الأمنية التي فرضت، وأسهم ذلك في تفكيك العناصر المسلحة.

من اللازم التأكيد أن سياسة الحكومة السودانية كانت تشجيع المصالحات بين القبائل واتباع «نهج الجودية»، في حل أي نزاع يقع لسبب من الأسباب، وكانت تنادي أبناء الإقليم وممثلي دارفور في كافة مواقع العمل الوطني المتحدرين من مناحي دارفور لعقد المصالحات في الخرطوم أو أي من مدن دارفور، كلما لاحت نذر احتراب أو احتكاك، وذلك حفظاً للدماء من النزف، ووقفا لأي هدر للموارد تسببه النزاعات والتربصات أو الثارات القبلية بحسبان أن المشايعة القبلية والنعرات العرقية نتائجها حرق زرع ونضوب ضرع وخسران مبين لا منجاة لأحد ولا مغتنم ولا نفع يحصل من استنفار وتربص محاط بأوهام العداوة مع الجيرة القبلية وشركاء الماء والعيش والكلأ والمرعى.

أحداث دارفور التي راجت على أنحاء العالم بفعل فاعل تفاقمت مع مطلع فبراير (شباط) 2003 عندما نشطت مجموعات متمردة متحدرة من بعض بطون قبائل الزغاوة والفور والمساليت واستهدفت ضرب مراكز الشرطة في المقام الأول، وأي مرافق حكومية. وأبرز نشاطهم كان هجوما قامت به مجموعة مكونة من مائتي مسلح بتاريخ 11 يوليو (تموز) 2003 على قرية الطينة، التي توجد بها حامية عسكرية للقوات المسلحة السودانية، وحاولت تلك المجموعة الاستيلاء على الحامية وتصدت لها القوات الحكومية وطاردتها إلى أن دخلت الأراضي التشادية. وإزاء تعدد هجمات وقعت في كرنوي بشمال دارفور وأبو قمرة غرب دارفور والطينة الحدودية، ثم هجوم موسع على مدينة كتم ثاني اكبر مدن ولاية شمال دارفور، حيث كان ينشط التمرد، زاد الهجوم العدائي بهجوم شنه متمردون من قبيلة الزغاوة على قبيلة القمر على خلفية نزاعات واختلاف قبلي سابق.

وكان لا بد من إجراءات خشية من تدهور الوضع الأمني بسبب الهجمات القبلية المتبادلة في المنطقة، اذ وقعت قبل ذلك صدامات دامية في منطقة عديلة في شهر مايو (ايار) 2002، وقبلها بشهر في أم حراز بغرب جبل مرة وفي كبكابية وهبيلا الواقعتين شرق مدينة الجنينة عاصمة غرب دارفور، وارتفعت في تلك الأجواء وتيرة ولهجة صبغ النزاعات بطابع تنسيب المتنازعين بصفات العروبة أو الزنوجة أو ما يعرف بالزرقة، وبرزت نذر الاستقطاب القبائلي للمؤازرة والمساندة، مما اتجه بالإقليم إلى الانقسام إلى فريقين، في حين عرف الإقليم تاريخياً بالتمازج القبلي، غير أن البعض نشط في إيقاظ النعرة القبلية وفات عليهم أنها منتنة وأنها أُس الجاهلية الأولى.

ظلت الأحداث كما أوردت قبلاً تتواتر وتتزايد، وكاد الوضع يخرج عن السيطرة، فتطلب الأمر اضطلاع الحكومة وسلطاتها الأمنية لفرض سيطرتها وممارسة مهامها بحماية المواطنين وممتلكاتهم وتأمين الناس من العصابات المسلحة والميليشيات المارقة، فاستنفرت السلطات قواتها اللازمة وزودتها بوسائل النقل والاتصال والتسليح لمجابهة حركة التمرد.

ويجدر بي أن أذكر أني حضرت جلسة للمجلس الوطني في يوم 1 ديسمبر 2003، كان موضوعها بيان قدمه اللواء الركن عبد الرحيم محمد حسين وزير الداخلية آنذاك والفريق أول ووزير الدفاع حاليا عن تطورات الأوضاع في دارفور، وتزايدت في تلك الآونة استفسارات نواب المجلس وطرحوا العديد من المسائل المستعجلة عن الأحداث والمستجدات في دارفور، وظلت الإشارة واردة وحمراء باستمرار فدعا المجلس الوطني الحكومة إلى احتواء الأوضاع والتحكم في إفرازات النزاعات، وكان من أبرز ما ركز عليه النواب، بمن فيهم نواب ولايات دارفور، ضرورة تحرير خطط الأجهزة الأمنية من الإجراءات الروتينية المقيدة وإعادة النظر بتسليحها وإعانتها بما يتوافق والظروف والمستجدات الأمنية في دارفور، ودعم الجهاز القضائي بالإقليم للبت الناجز والحازم في قضايا الاعتداءات وممارسة أقصى عقوبات الردع القانوني فرضا لهيبة الدولة. ونادى نواب المجلس بإشراك المجتمع المحلي في تحمل عبء العملية الأمنية باستعادة الدور الأمني للإدارة الأهلية ممثلة في حرس الإدارة الأهلية والشرطي الظاعن، مع التأكيد على التعايش السلمي بين القبائل، بعقد مؤتمرات موسعة للصلح والوفاق القبائلي. وحسب مدونتي فإن قادة العمل السياسي والتنفيذي وولاة الولايات المختلفة وزعماء الإدارات الأهلية في دارفور والمختصين والمعنيين من كافة أنحاء السودان بما جرى في دارفور شاركوا في ورشة عمل نظمت بديوان الحكم الاتحادي بغرض الوصول إلى حلول تفضي إلى إعادة الأمن والاستقرار إلى دارفور. وبحثت تلك الورشة الآثار التي نتجت عن غياب دور الإدارة الأهلية وما نتج عن ذلك من انفلاتات أمنية، وضرورة تفعيل دور تلك الإدارة في جمع السلاح من كافة المواطنين والميليشيات لأهمية ذلك في استتاب الأمن. وحددت تلك الورشة، وكان على رأسها الرئيس عمر البشير وممثله الخاص لمعالجة الأوضاع في دارفور اللواء الركن عبد الرحيم محمد حسين وزير الداخلية وعدد كبير من القانونيين والقضاة، خطة وبرنامجاً لتجريد المجموعات الخارجة عن القانون من السلاح بإدراك وجود ميليشيات مسلحة بكل قبائل دارفور ملمة باستخدام السلاح الذي انتشر في الإقليم بسبب الحروب المستعرة والمستمرة منذ عدة سنوات في دولتي الجوار تشاد وأفريقيا الوسطى.

وقانونياً تم التأكيد على دور الإدارات الأهلية في دارفور في استتباب الأمن، واشترع على وضع قوانين ولوائح ضابطة للعمل، وتم التوافق وتنسيق الجهود بين وزارتي الداخلية والدفاع والسلطة القضائية ببرنامج زمني، تتم خلاله عودة الاستقرار، وقام ذلك البرنامج على ضرورة التسليم المتوازن من قبل كافة المجموعات والميليشيات المسلحة من القبائل المختلفة لأسلحتها لأهمية ذلك في دعم الثقة بين الأطراف الحائزة السلاح. واتخذت الإجراءات الضابطة لاستخراج الأوراق الثبوتية لضبط الهجرة والتداخل القبائلي مع الدول المحاددة والمؤثرة والمتأثرة بالسودان التي تم التعاهد معها على التعاون للقبض على المتمردين الخارجين عن القانون وسلطة الدولة، ومنع دخول وتسريب الأسلحة، علماً بأن على الحدود مع تشاد وأفريقيا الوسطى تقطن ثلاث عشرة قبيلة تتداخل هنا وهناك.

وينبغي لي التأكيد على أن الحكومة السودانية ما توانت يوماً في عقد المصالحات بين القبائل القاطنة دارفور، وكان أولها مؤتمر الفاشر الذي تم بعد أسبوعين فقط من تسلم الرئيس عمر البشير الحكم في 30 يونيو (حزيران) 1989، إذ تم عقد مؤتمر الفاشر للصلح بين قبيلة الفور وبعض القبائل العربية وهدأت الأحوال لسنوات. ولما وقعت احتكاكات بين قبيلة الزغاوة والقبائل العربية في شمال دارفور عقدت الحكومة مؤتمراً للصلح بكتم في أكتوبر 1994. وبعد عامين عندما تصاعد الخلاف بين القبائل العربية وبين المساليت بغرب دارفور انعقد مؤتمر الجنينة في نوفمبر 1996، وأعقبه مؤتمر للصلح بين الزغاوة والرزيقات بمدينة الضعين جنوب دارفور في مارس (آذار) 1997. وحتى لا تتكرر النزاعات نظمت الحكومة مؤتمراً للأمن الشامل والتعايش السلمي بين كافة قبائل ولايات دارفور، انعقد بعاصمة جنوب دارفور نيالا في ديسمبر 1997.

مع السعي ذاك كان تجار السلاح يعملون في الخفاء ويزعزعون الثقة بين الأطراف المتصالحة، يوقعون بين القبائل، فيظن كل طرف أن الآخر هو الذي غدر به وخرق اتفاقات التصالح المبرمة، فيبدأ مسلسل الثأر والانتقام، وتتعقد الأمور بعدم القدرة على دفع الديات. كذلك برز التمرد في مجموعات مسلحة استهدفت مقار الحكومة، فلم تجد الحكومة بداً من استعمال القوة العسكرية ضد تلك المجموعات، التي صارت تحت ضغط الهجمات وحملات التمشيط العسكرية تحتمي بالقرى والمؤسسات التعليمية والصحية، وتتجمع مرات أخرى مكونة فلولاً تمارس عمليات الكمون واغتيال وقتل سرايا القوات المسلحة وقوات الشرطة الحامية للمواطن. وهكذا استمرت هجمات المتمردين على القرى والمدن مستهدفة القيادات الدارفورية غير المتعاطفة مع التمرد وقيادات الدولة الرسمية خاصة الشرطة. ودُمرت السجون وخرج منها المجرمون والقتلة وانتشرت عصابات النهب المسلح، وعجزت الأجهزة العدلية عن القيام بدورها، وتعطلت المشروعات الزراعية والتنموية والتعليمية، وتعددت صور الميليشيات القبلية التي تنتمى للتمرد أو التي تقاتله، وكاد الأمر أن ينتهي إلى حرب أهلية لا يعلم مداها إلا الله سبحانه وتعالى.

وفي ظل هذه الظروف والأجواء انعقد الاجتماع الامني التنسيقي لولايات دارفور الثلاث، وقد أمه إضافة إلى ولاة الولايات الثلاث، وهم والي ولاية شمال دارفور الفريق أول ركن إبراهيم سليمان حسن، والي ولاية غرب دارفور المهندس عمر هارون، والي ولاية جنوب دارفور اللواء ركن (م) الناظر صلاح علي الغالي (ثلاثتهم من أبناء دارفور)، وفد من الحكومة المركزية برئاسة وزير الداخلية آنذاك اللواء الركن مهندس عبد الرحيم محمد حسين. وأصدر الاجتماع بيان الفاشر في مايو 2003 وجاء فيه: «بالعزيز الجبار من الشيطان نستعيذ، وعلى الله المهيمن القاهر نتوكل وبه نستعين، إنه بيان من ولاة ولايات شمال وجنوب وغرب دارفور إلى مواطني ولايات دارفور الكبرى. قال تعالى: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتَّلوا أو يصلَّبوا أو تقطَّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزيٌ في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم) (سورة المائدة الآية 33).

وجاء في البيان أيضا (لقد جئناكم بالحق ولكن بعضكم للحق كارهون)، وكلكم يعرف تماماً كيف كان حال مجتمعنا فى دارفور ملء السمع والبصر في المحمل إلى الكعبة وكسوتها، وفى الأزهر ورواقها، وفي القرآن حتى اقترن اسم دارفور بالقرآن واللوح والتقابة، دارفور التسامح والتوادد والأخلاق والنجدة. كل هذا وفي ساعة من الغفلة انقلب إلى الضد فباتت دارفور في واد والسودان في واد آخر، فصارت دارفور للنهب المسلح، دارفور للاحتراب، دارفور للقبلية العمياء، للقتل والدمار والتخلف والجهل والمرض. وبدأت مساعي الاصلاح ومحاولات المعالجة. سعيتم وسعينا وعقدتم المؤتمرات والاجتماعات والجوديات ومجالس الشورى والسمنارات وورش العمل ولجان الأمن. ولكن كلها لم تثمر ولم تعد الأمور إلى نصابها إلا لفترات قصيرة وسرعان ما تنفجر الأحوال وتتقهقر الأمور وتتردى إلى الأسوأ ظلماً وظلمة، حتى صار الأمر في دارفور لا يستوثق فيه لعظيم حق عطل، ولا لعظيم باطل فعل. ولكن لا بد من علاج، ولا بد من صباح وإشراق، ولا بد من وضع حد لهذا العبث والفساد والحمد لله أن جعل فى الكي دواء. ونعلن الآن أن هنالك حزمة من القرارات الصارمة وحزمة من أوامر الطوارئ سوف يتم اتخاذها عقب هذا البيان، وهذا بمثابة إعلان وإنذار للجميع وبحق. ولا عذر لمن أنذر. ونؤكد للجميع أن كافة التحضيرات والتجهيزات والآليات والوسائل اللازمة للحسم والحزم قد تم إعدادها من طائرات ومركبات ودواب وأسلحة ومعدات للتصدي، على أتم استعداد للتصدى والحسم. ونؤكد أن المحاكم والنيابات الخاصة ذات الإجراءات الاستثنائية في كل أنحاء الولايات الثلاث قد شكلت ونصب ميزانها ووحد منهجها ولا بد للإدارات الأهلية أن تتحمل مسؤوليتها الكاملة من دون تراخ أو تردد، وآن لأهلنا الشرفاء أن نضع السنان مكان اللسان، وأن نكف عن الكلام حتى انبلاج الصباح، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. قال تعالى «ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون».

انتهى بيان الفاشر الذي وقع عليه ولاة الولايات الثلاث في أول مايو 2003.


تعليقات
لإضافة تعليقك أضغط هنا
 
لا يوجد تعليقات
  أخبار      
طالبان تشترط انهاء الاحتلال ...
الشرطة الصهيونية تقتحم المسجد ...
'كتائب القسام' تقصف جنوداً ...
  وثائق      
كيف ترى الخرطوم أزمة دارفور؟ ...
كيف ترى الخرطوم أزمة دارفور؟ ...
كيف ترى الخرطوم أزمة دارفور؟ ...
كيف ترى الخرطوم أزمة دارفور؟ ...
كيف ترى الخرطوم أزمة دارفور؟ ...
أرشيف الأخبار العربية بنك الأخبار العربية روضة الباحث سور الازبكية
حقوق الطبع محفوظة 2002 ©. وكالة الأخبار الإسلامية- نبأ. 
لرؤية أحسن عرض ينصح باستخدام متصفح الإنترنت الخاص بشركة ميكروسوفت، الإصدار رقم 6.0 أو أحدث. وشاشة عرض 800*600 أو أعلى