القاهرة/ 28-5-2007
عندما تتحول المبادئ إلى شعارات زائفة ، عندما تتحول الحرية إلى تمثال يدخل متحف التاريخ ، عندها فقط يقف المرء ليتعجب ويتدبر أمر هؤلاء الذين ملأوا رؤوسنا بحرية التعبير وحرية التدين والتعددية الثقافية والتعددية الدينية وحماية الحريات ... كيف سقطت هذه الدعوات في مستنقع القهر والإجبار ؟ كيف عادت محاكم التفتيش وكيف انقلب ما يسمى الحرب على الإرهاب إلى إرهاب حقيقي يدمر كل إنجازات الحضارة الغربية وأغلى ما أنجزت ( الحرية الدينية) !.. لقد كانت أوروبا تفخر بهذا الإنجاز ألا وهو حرية التعبير عن الرأي وحرية التعبد وحرية الملبس و حرية الاعتقاد .. فما دهاها ؟
ماذا حدث في مدينة النور " باريس" ، وفي (الهايد بارك) بمدينة لندن ، وفي أمستردام وغيرها من المدن التي ما فتئ الإنسان يصرخ ويتكلم ويعبر عن رأيه فيها حتى وإن كان سبا في حكومات تلك المدن ... لكنه الهوس و الفوبيا من كل ما هو إسلامي بعد أحداث سبتمبر 2001 ، والحرب الأمريكية الغربية على الإسلام في العراق وأفغانستان ، لقد تحولت الديمقراطية الأوروبية من حكم الأغلبية التي تختار من يمثلها إلى حكم من هم على هواها - المهم أن تكون غير إسلامية- ومن حرية العقيدة إلى فرض الرؤية الأوروبية المسيحية على عقائد الناس واختياراتهم ، وتحديدا على المسلمين ودينهم وشعائرهم ، بل تعدت هذا إلى فرض رؤيتها وتعديل سلوكيات وشعائر المسلمين في أوروبا لما يتفق والتصور الأوروبي... فها هو وزير الثقافة الدانمركي ( بريان ميكلسون) يقول :" لقد بدأنا الحرب ضد أيديولوجية التعدد الثقافي والديني التي تقول إن كل الأشياء متساوية ". وفي هولندا أصدرت مدينة روتردام قواعد سلوك عامة يتحتم على المهاجرين المسلمين تطبيقها حيث اشترطت التحدث بالهولندية في الأماكن العامة ، وأصدر البرلمان الهولندي قرارا بمنع لبس النقاب في الأماكن العامة .
وتخطط وزيرة الاندماج الهولندية ( ريتا فير دونيك) لعقد دورات تدريبية لأئمة المساجد حول المواطنة والقيم الأوروبية الغربية ، وقد أوضحت مقصدها أمام كاميرات الصحافة في يناير 2006 ، حين قالت لإمام رفض أن يصافحها باليد - بسبب القواعد الإسلامية التي تحرم ذلك - :" إن عليه تعلم العادات الغربية بصورة أفضل ". وقالت له من خلال المترجم :" أتوقع منك في العام المقبل أن تتحدث الهولندية وتصافح النساء باليد" . وفي بريطانيا يخطط المجلس الاستشاري حول المساجد والأئمة ، المنشأ حديثا في وزارة الداخلية ، لتطبيق برنامج اعتماد للعلماء المسلمين وأئمة المساجد ، مشابه للأنظمة المطبقة على الكنائس المسيحية .. هذا فضلا عن التمييز والاضطهاد الديني عند المقارنة بما يخصص للكنائس ودور العبادة لليهود وما يخصص للمساجد ، فالكنائس ومعابد اليهود في كل أوروبا تتمتع بامتيازات ودعم من الحكومات الأوروبية، بينما معظم المساجد على النقيض من ذلك ، مخفية في مخازن تجارية وغرف ضيقة تحت بعض المباني. وفيما يخص الزى الخاص بالمرأة في الإسلام (الحجاب) ، مقارنا بالأديان الأخرى فقد أصدرت إحدى ولايات ألمانيا حديثا قانونا يمنع ارتداء الحجاب في المدارس ،ولكنها في نفس الوقت لم تمنع (اليرمولكة ) اليهودية ، ولا لباس الراهبات.
أما ما تنوي الحكومة الفرنسية تطبيقه على يد ساركوزي الرئيس اليهودي المنتخب – فهو نظام للاختبار يتم ترحيل من يرسب فيه ، حيث يشترط عقد الترحيب والتكامل الجديد على القادمين الجدد من المهاجرين المسلمين، تعلم اللغة الفرنسية والبحث عن عمل مقابل تصريح ينتهي بعد خمس سنوات يتم ترحيل صاحبه بعد انتهاء مدة التصريح. أما المسلمون المهاجرون الذين يثبت إخفاقهم في احترام القيم الغربية فيواجهون الترحيل على الفور .
وفي حالة المرأة التي تبقى رهينة البيت من دون تعلم اللغة الفرنسية فإن كل العائلة سوف تجبر على الرحيل. يقول جان وولتر:" نطالب الآن بعقد اجتماعي جديد ، فلم نعد نقبل ألا يتعلم الناس لغتنا ونطلب منهم أن يرسلوا بناتهم للمدرسة ونطالبهم بأن يتوقفوا عن إحضار عرائس من الصحراء وحبسهن في شقق في الطوابق العليا". وبدأت معظم الدول الأوروبية في سن قوانين لا تصرح لأئمة المساجد بالعمل إلا من تعلم في معاهدها وأقسامها فقد بدأت ألمانيا وفرنسا وإيطاليا أخيرا إنشاء عدد من أقسام الدراسات الإسلامية في جامعاتها الحكومية لتخريج وعاظ متعلمين محليا ينطلقون من مبادئ الغرب وقيمه ويعبرون عن التصورات الغربية عند تعليمهم الإسلام !
وأعلن الفاتيكان أن الحجاب يُظهر قلة احترام للثقافات والحساسيات المحلية وفي بريطانيا صب (جاك إسترو ) – وزير الخارجية السابق- الزيت على النار عندما قال :" إن هذا اللباس الإسلامي التقليدي(النقاب) يفصل بين الناس"، ويعوق عملية الدمج فإن الاتصال يتطلب أن يرى كل من الطرفين وجه الآخر . كي لا تسمع فقط ما يقوله الناس بل ترى أيضا ما يقصدونه .
ويقول أحد المخرجين الإنجليز – في تدخل سافر في أمور الدين الإسلامي: " بدلا من التركيز على الرسالة الدينية القوية للإسلام وارتباطها بأوروبا الحديثة يبدد المسلمون طاقاتهم في الدفاع عن الرموز الخارجية لدينهم، وهو ما يمثل فراغا روحيا، إن المسلمين مهووسون بالرموز الدينية أكثر من حقائق الإيمان فقد نسوا أنهم يعبدون الله وليس الحجاب أو اللحية . ويضيف إن لدى المسلمين واجب عدم إخافة جيرانهم – كما يطالب (سترو وبلير) ضمنا- إن كان جارك خائفا منك ، فهذا ليس خطأه بالكامل ، من مسؤولية المسلم أن يتقرب منه ويحاول تهدئته". أليس هذا انتهاك صارخ لمبادئ الحرية الدينية التي هي أساس العلمانية والليبرالية الغربية؟ أليست هذه المبادئ تتنافى وقواعد "المواطنة " حيث يتحول المسلم إلى مواطن من الدرجة الثانية أو الثالثة في مجتمع المفروض أن ينتصر للمساواة وحقوق الإنسان ؟ خلافا لليبرالية الغربية فكل عبء التغيير ملقى على عاتق المهاجرين المسلمين ومطلوب منهم أن يغيروا دينهم ليتمكنوا من التعايش مع الأوروبيين .
لقد سقطت أقنعة التسامح والتعددية الثقافية والتعددية الدينية وسقطت معها كل دعوات التفاهم والتحاور لتظهر حقيقة الوجه الأوروبي فلا نامت أعين دعاة التعايش ، ولتخرص ألسنة أصحاب الحوار.
|