عناصر دولة
الجزائر
ملف النفط في الجزائر
تعتبر "سوناطراك" إحدى أكبر الشّركات النّفطيّة في العالم، وهي ليست القوّة المحرّكة للاقتصاد الجزائري فحسب، بل هي أيضاً مرشّحة للعب دور رئيسيّ في السّوق الدّوليّة للطّاقة
"سوناطراك" هي شركة النّفط والغاز في الجزائر. اسمها الكامل "المؤسّسة الوطنيّة لأبحاث الهيدروكربونات وإنتاجها ونقلها وتحويلها وتسويقها"، وهي الشّركة الوحيدة في الجزائر المسؤولة عن استغلال المصادر النّفطيّة والغازيّة الهائلة في البلاد وكذلك عن بيعها. ومع أنّ علامتها التّجاريّة لا تزال بحاجة إلى اعتراف شركات النّفط العالمية الكبرى، مثل "إكسكسون" و"شل" و"ب. پ."، فما من شكّ في أن "سوناطراك" لاعب أساسي في سوق النّفط الدّوليّة.
حقّقت "سوناطراك" في العام 1999 مبيعات بحوالي 14 بليون دولار أميركي، فيما بلغت قيمة صادراتها 12 بليون دولار أميركي، لذلك تحتلّ المرتبة الأولى بين الشّركات الأفريقيّة دون منازع، والمرتبة الثّانية عشرة بين الشّركات النّفطيّة العالميّة، والمرتبة الثّانية بين الشّركات العالميّة المصدّرة للغاز النّفطي السّائل، والمرتبة الثّالثة بين الشّركات العالميّة المصدّرة للغاز الطّبيعي. وتمثّل مبيعاتها حوالي 95% من إجمالي صادرات الجزائر، كما تمثّل نشاطاتها 25% إلى 30% من إجمالي النّاتج المحلّي في البلاد، وهي توظّف أكثر من 48 ألف شخص في الشّركة الأم وأكثر من 120 ألف شخص في المجموعة ككلّ.
تقف "سوناطراك" اليوم على أهبة الاستعداد للدّخول في مرحلة جديدة من النّشاطات وفرص الاستثمار. فرئيس مجلس إدارتها ومديرها العام، عبد الحق بوحفص، يشرف على سلسلة من التغييرات والاستراتيجيّات المصمّمة خصّيصاً لإحداث تحوّل جذري في التّنظيم الدّاخلي للشّركة ولتحضيرها للمنافسة الشّرسة المتنامية في أسواق الطّاقة الدّوليّة. يقول بوحفص: "هدفنا تحويل "سوناطراك" إلى شركة نفطيّة وغازيّة عالية الأداء والمنافسة".
ففي إجراءات هي الأكثر جذريّة في تاريخ الشّركة، تعمل وزارة الطّاقة والمناجم و"سوناطراك" على تطبيق سلسلة من الإصلاحات الشّاملة للفصل بين دوري "سوناطراك" والدّولة. وتعني الإصلاحات باختصار أنّه سيكون على "سوناطراك" أن تتنافس مع غيرها من الشّركات للحصول على عقود مع الدّولة، كما ستخضع لضرائب الدّولة، ما سيضعها على قدم المساواة مع سائر الشّركات النّفطيّة العاملة في الجزائر ويزيل التّضارب المحتمل في المصالح. وبناءً على الإصلاحات، سيتحتّم على الشّركة تبنّي المعايير الدّوليّة المتعلّقة بالإدارة، وتخفيض التّكاليف، وزيادة الأرباح إلي الحدّ الأقصى الممكن. ومع أن الدّولة تريد الاحتفاظ بغالبيّة أسهم الشّركة ("سوناطراك" شركة مملوكة من الدّولة)، ستتمكّن "سوناطراك" من عرض أسهمها في أسواق الأسهم الدّوليّة، ما سيمنحها كلّ الأدوات الماليّة اللازمة لأي شركة حديثة ويحرّر رأسمالها المساوي لبلايين الدّولارات الأميركيّة بحيث تتمكّن من الحصول على الأموال اللازمة لتمويل مشاريعها محليّاً وخارجيّاً.
وبفضل هذه الإصلاحات الدّاخليّة، يعمل بوحفص على إعادة النّظر باستراتيجيّة الشّراكة الخاصّة بـ "سوناطراك" بهدف توسيع عمليّات الشّركة وتطويرها. يقول: "نحن نمارس هذه المقاربة منذ أكثر من عقد وقد حقّقنا نجاحاً أقنعنا بجدواها". فمنذ العام 1991، وقّعت "سوناطراك" أكثر من 40 اتّفاقيّة مع شركات نفطيّة أجنبيّة لإجراء مشاريع مشتركة ضمن نطاق النّشاطات الأساسيّة للشّركة. ولم تؤدِّ هذه الشّراكات إلى انتقال مهمّ للخبرات التّقنيّة والإداريّة العالميّة إلى الجزائر فحسب، بل ساهمت أيضاً، في خطوة أهمّ، في زيادة مذهلة للاكتشافات النّفطيّة والغازيّة. وتتوقّع "سوناطراك" أن تزيد هذه الشّراكات الإنتاج بنسبة 35%، أو من 181 طن معادل نفطي إلى 150 طن معادل نفطي مع حلول العام 2002. من الأمثلة البارزة على استراتيجية "سوناطراك" شراكتها مع "بي. پي. ـ أموكو" لتطوير موارد الغاز في منطقة عين صالح الجزائريّة. ويُتَوَقّع للشّراكة، البالغة قيمتها 2،5 بليون دولار أميركي، أن تزيد إنتاج البلاد من الغاز بمقدار تسعة بلايين متر مكعّب في السّنة.
وبناءً على نجاحاتها، تسعى "سوناطراك" إلى عقد اتّفاقيّات شراكة في مجالات نشاطاتها الأساسيّة والثّانويّة في الخارج. ويشير بوحفص إلى نشاطات "سوناطراك" في اليمن حيث تعمل الشّركة مع شركة "أجيپ" الإيطاليّة من ضمن عقد لمشاركة الإنتاج وإلى نشاطاتها في إسبانيا حيث تعمل مع شركة "باسف" الألمانيّة على إنتاج الپروپيلين. وتجري "سوناطراك" حاليّاً مفاوضات للحصول على امتيازات في البيرو والعراق.
وبفضل بنيتها المؤسّساتيّة الجديدة ورغبتها في التوصّل إلى اتّفاقيّات شراكة، تتوقّع "سوناطراك" أن تتمكّن بدءاً من العام 2001 من تحقيق زيادات في الإنتاج والمبيعات أكبر من تلك التي عرفتها منذ تأسيسها في العام 1963. وتُعتَبَر "سوناطراك" إحدى أهم الشّركات المورّدة للنّفط والغاز إلى أوروبا، وهي تنتظر بفارغ الصّبر تحرير سوق الطّاقة في الاتّحاد الأوروبي، كما تبحث عن فرص استثماريّة في أماكن أخرى من العالم. لذلك إن كان اسم "سوناطراك" جديداً عليك، لا بدّ أنّك ستسمعه تكراراً في المستقبل القريب، فمن المحتّم على "سوناطراك" أن تحقّق حضوراٍ مهمّاً على ساحة سوق الطّاقة الدّوليّة في القريب العاجل.
طاقة ومناجم
وتمثّل منتجات النّفط والغاز 95% من صادرات الجزائر، و60% من إيرادات الدّولة، و25% إلى 30% من إجمالي النّاتج المحلّي. ما من شكّ أن هذه النّسب الكبيرة تعكس اختلالاً مقلقاً في الاقتصاد الوطني، بيد أن البلاد لا تزال تختزن احتياطيّات هيدروكربونيّة هائلة لم تُستَغَلّ بعد.
يلعب قطاع الهيدروكربونات الدّور الأبرز بين قطاعات الاقتصاد الجزائري، لكنّ هذا الوضع يجعله سيفاً ذا حدّين. اكتُشفت هذه المادّة الثّمينة أوّل مرّة في الجزائر في حقل حاسي مسعود في العام 1956. وبعد فترة من الاستغلال المحدود بسبب الاضطرابات السّياسيّة والاقتصاديّة النّاجمة عن حرب الاستقلال الجزائريّة عن الفرنسيين، أمّمت الحكومة قطاع الهيدروكربونات في السّبعينيّات، واضعة كلّ البنية التّحتيّة الخاصّة بالتّطوير والإنتاج تحت سلطة الشّركة الحكوميّة "سوناطراك"، واسمها الكامل "المؤسّسة الوطنيّة لأبحاث الهيدروكربونات وإنتاجها ونقلها وتحويلها وتسويقها".
عثرت "سوناطراك" وشركات أجنبيّة مشاركة لها على كميّات كبيرة من النّفط والغاز في الجزائر خلال السّنوات الماضية. ومع أن التّقديرات الرّسميّة للاحتياطيّات النّفطيّة لا تتجاوز الـ 9،2 بليون طن، يعتقد أن الكمّيّة أكبر بكثير، لا سيّما بعد توالي الاكتشافات الحديثة، وصدور خطط جديدة لإجراء المزيد من التّنقيبات، وتوافر معلومات إضافيّة حول الحقول المعروفة.
نتيجة لذلك، بدأت الحكومة في العام 1996 بتطبيق برنامج توسّعيّ كبير يهدف إلى زيادة الإنتاج. وبفضل هذا البرنامج، تتوقّع "سوناطراك" وشركائها الأجانب أن يرتفع إنتاج الجزائر من النّفط الخام إلى 1،5 ملايين برميل يوميّاً بحلول العام 2004. ويتضمّن البرنامج خططاً لحفر المزيد من آبار الاستكشاف (تمّ تنفيذ الكثير منها) مناصفةً بين "سوناطراك" وشركائها الأجانب.
وبفضل هذه التّطوّرات، والاتّجاه المتزايد إلى استهلاك الغاز الطّبيعي محليّاً (95% من الطّاقة الكهربائيّة أصبحت تُنتَج بواسطة الغاز)، يُتَوَقّع أن تزداد صادرات الجزائر من النّفط الخام بشكل كبير، سيّما وأن نفط "المزيج الصّحراوي" الذي تتميّز به الجزائر يُعَدّ من بين أفضل أنواع النّفط في العالم. يُذكر أن حوالي 90% من صادرات الجزائر من النّفط الخام يذهب إلى أوروبا الغربيّة، حيث تُعتَبَر إيطاليا وألمانيا وفرنسا أهم الدّول المستهلكة، تليها هولندا وإسبانيا وبريطانيا.
وتسعى الجزائر أيضاً إلى زيادة إنتاجها من الغاز الطبيعي. فالجزائر تملك احتياطيّاً من المادة بمقدار 3700 بليون متر مكعّب، علماً أن تقديرات "سوناطراك" تتجاوز هذا الرّقم، وتصدّر البلاد حاليّاً أكثر من 60 بليون متر مكعّب من المادّة سنويّاً، ما يجعلها من بين الدّول العشر الأوائل في العالم في هذا المضمار. وكما هي الحال مع النّفط، يمثّل الاتّحاد الأوروبي أهمّ أسواق الغاز الجزائري، فالاتّحاد يستورد ربع حاجته من الغاز الطّبيعي من هذه الدّولة. وتعمل الجزائر على تسييل نصف صادراتها من الغاز الطّبيعي تقريباً، فيما تنقل الباقي في خطّين حديثين من الأنابيب، "خط عبر المتوسّط" الذي يربط الجزائر بإيطاليا و"خط المغرب ـ أوروبا" الذي يربطها بإسبانيا ثم بالبرتغال عبر خط فرعي. ويجعل ذلك الجزائر في مقدّمة الدّول المورّدة للغاز إلى أوروبا الجنوبيّة.
لكن زيادة صادرات الجزائر من الغاز تعتمد بشكل أساسي على المشروع الجاري حاليّاً في منطقة عين صالح بواسطة "سوناطراك" و"بي .پي. ـ أموكو". فهذا المشروع، الذي يمثّل أكبر استثمارٍ أجنبي في الجزائر بكلفة تساوي 2،5 بلايين دولار أميركي، سيرفع إنتاج البلاد من الغاز الطّبيعي إلى تسعة بلايين متر مكعّب في السّنة ويتضمّن بحثاً عن احتياطيّات غازيّة جديدة. وبحسب اتّفاقيّة تقاسم الأرباح المعقودة بينهما، تبلغ الحصّة الاستثماريّة لـ "بي .پي. ـ أموكو" 65% ولـ "سوناطراك" 35%. ونتيجة للمشروع المشترك، تأسّست في أوروبا "شركة عين صالح لتسويق الغاز" للبحث عن مشترين للغاز، وقد تمكّنت الشّركة من عقد صفقتها الأولى مع "إينيل"، شركة الكهرباء الإيطاليّة العملاقة، التي وافقت على شراء أربعة بلايين متر مكعّب من الغاز سنويّاً من المشروع. وتعمل الشّركة حاليّاً على تسويق الغاز لدى مشترين محتملين في أوروبا وتركيا وأفريقيا الشّماليّة.
ولتطوير النّشاطات المتفرّعة من قطاع الهيدروكربونات أهميّة كبيرة. فقد وضعت "سوناطراك" برنامجاً طموحاً بكلفة 2،3 بلايين دولار أميركي لتوسيع صناعتها البتروكيميائيّة باتّجاه الشّركة الفرعيّة التّابعة لها، "المؤسّسة الوطنيّة للصّناعات البتروكيميائيّة"، وتتوقّع أن يوفّر البرنامج الكثير من الفرص للمستثمرين المحليين والأجانب.
في تطوّر منتظر منذ زمن طويل، يسعى وزير الطّاقة الجزائري إلى الفصل بين الدّولة و"سوناطراك"، وإزالة كلّ الضّمانات الحكوميّة لقروض الشّركة، وإنشاء شركتي وساطة مستقلّتين. ويُتَوَقّع لهذه الإصلاحات أن تضفي تحوّلات دائمة على قطاع الهيدروكربونات.
من الشّائع في الجزائر أن الشّركة الحكوميّة "سوناطراك" والشّركات الثّانويّة التّابعة لها، والتي تشكّل مجتمعة قطاع الهيدروكربونات في البلاد، ساهمت في إبقاء الجزائر على قيد الحياة خلال فترة الأزمة الأهليّة. فحين اضطرّت الأزمة المستثمرين إلى مغادرة البلاد والمصانع المحلّيّة إلى إقفال أبوابها أو خفض إنتاجها بشكل كبير، حافظت "سوناطراك"، أكبر شركات الجزائر، على إنتاجها وضخّها للنّفط والغاز إلى الأسواق الأوروبيّة وغيرها من الأسواق فأضحت مصدر البلاد الوحيد من العملة الصّعبة.
لكن وزير الطّاقة والمناجم، الدّكتور شكيب خليل، يرى أن "سوناطراك"، على الرّغم من هذا النّشاط العالي، لم تتمكّن من أن تحقّق أقصى قدراتها بسبب ارتباطها الوثيق بالدّولة. فهو يرى أن ""سوناطراك" لا تزال أساساً شركة حكوميّة، أي أنّها عملت لمدّة طويلة في ظلّ نظام لم يقدّم أيّ حوافز للتطوّر. فهي كانت تنتج منتجاً معيّناً بكلفة محدّدة، وكان المال المتبقّي يذهب إلى الحكومة، دون أن يكون هناك حافز للحدّ من الكلفة".
ويضيف أن "سوناطراك"، بسبب كونها مؤسّسة حكوميّة، كانت تعاني أيضاً الشّكوك التي تصاحب الموازنات الحكوميّة. فعلى عكس "بي .پي ـ أموكو" أو "شل" اللتين تضعان استراتيجيّتهما التّوسّعيّة والاستثماريّة للثّلاثين سنة المقبلة، لم تتمكّن "سوناطراك" من التّخطيط على المدى الطّويل لعدم معرفتها بالموارد التي ستتوافر لها سنة بعد سنة. وبحسب الدّكتور خليل، "لا يمكنك القيام بهذه الخطوة في قطاع الهيدروكربونات". وهناك أيضاً مسألة الأجور، فمقارنة بسائر الشّركات النّفطيّة العالميّة، يبدو الفارق في الأجور كالفارق بين "الليل والنّهار"، كما يقول الوزير، مضيفاً "أنّك في وضع مثل هذا لا تقدر أن تحتفظ بأصحاب الموهبة والخبرة والكفاءة لمدّة طويلة. فما أن يحصّلوا خبرة جيّدة حتّى ينتقلوا إلى القطاع الخاصّ أو يغادروا البلاد. إذن عانت "سوناطراك" من هذه العقبات والقيود، لكنّها على الرّغم من ذلك، قامت بعمل جبّار. فقد زادت إنتاجها، وأنشأت شركة تجاريّة في لندن وشركة بتروكيميائيّة في إسبانيا، وحصلت على امتياز في اليمن، وتتفاوض على امتياز في العراق والبيرو. تخيّل إذن ما يمكن لـ "سوناطراك" أن تحقّقه لو تحوّلت إلى شركة مشابهة لـ "بي .پي" أو "إكسكسون"".
هذه خطّة الوزير. فبناء على رؤيته التي تقتضي إعادة تنظيم البنية الإداريّة للقطاع، ينوي الدّكتور خليل الفصل بين دوري الدّولة و"سوناطراك". "أريد لـ "سوناطراك" أن تصبح مؤسسة تجاريّة بكلّ ما للكلمة من معنى".
تتألّف هذه الخطّة من عدّة مراحل. وبحسب الخطّة، لن تُلقى "سوناطراك"، التي يحيطها الجزائريّون بهالة من القداسة، بين أيدي القطاع الخاصّ. لكن المرحلة الأولى من الخطّة الإصلاحيّة تقتضي تجريد الشّركة من الصّلاحيّات التي يجب أن تمارسها الدّولة لوحدها. وبحسب الخطوة الأهم سيتمّ إنشاء وكالتين مستقلّتين، تقوم الأولى بإجراء العقود وتنظيم القطاع ومراقبته وتحديد ضرائبه، فيما تراقب الثّانية حسن تطبيق الأنظمة البيئيّة والصّحّيّة والأمنيّة. ففي الوقت الرّاهن، تقوم "سوناطراك" بكلّ المهمّات المذكورة، ما يشكّل تضارباً في المصالح. فالقانون يفرض على شركات النّفط الأجنبيّة أن تعمل بالمشاركة مع الشّركة الحكوميّة، لذلك يصعب تحديد ما إذا كانت "سوناطراك" مالكاً يحمي ممتلكاته أو شريكاً يمكن العمل معه.
وإلى جانب المساواة بين "سوناطراك" وسائر شركات النّفط العاملة في الجزائر، سيحقّق الإصلاح العتيد للشّركة وضعاً تجاريّاً أسلم من وضعها الحالي. فبما أن أرباح "سوناطراك" ستعتمد على العقود التي تتوصّل إليها الشّركة، لن يكون على الشّركة بعد ذلك أن تتساوم مع لجنة الموازنة الحكوميّة كلّ عام وسيكون بإمكانها أن تخطّط على المدى البعيد. كذلك يعتقد الوزير أن العمل على أساس العقود سيشجّع "سوناطراك" على تحسين فعاليّتها لناحية كلفة الإنتاج، سيّما وأنّها ستخضع للضّرائب. يقول الدّكتور خليل: "لهذا الأمر أهميّة كبرى بالنّسبة للدّولة. فمن خلال الضّرائب، سأجعل الشّركة أكثر فعاليّة لأنّني سأعطيها حافزاً لزيادة أرباحها".
الواضح أن الوزير يسعى إلى جعل الوكالتين العتيدتين مستقلّتين ماليّاً عن الدّولة. والإصلاح الأهم سيكون منح الوكالتين الصّلاحيّة لفرض رسوم على الشّركات المستفيدة من خدماتهما. ولن يوفّر الاستقلال المالي للوكالتين على الحكومة بعضاً من أعبائها الماليّة فحسب، بل سيمكّن الوكالتين من استخدام موارد بشريّة متخصّصة تساهم في زيادة فعاليّتهما، كذلك سيوفّر للوكالتين ما تحتاجانه من الاستقلال لتطبيق التّنظيمات المناسبة.
تستوجب الخطوة التّالية خصخصة "سوناطراك" جزئيّاً. ومع أن الدّكتور خليل يقول بوضوح إن الدّولة تريد الاحتفاظ بمعظم أسهم "سوناطراك"، فهو يؤكّد بالمقابل أنّه يسعى إلى تمكين الشّركة من إدراج أسهمها في أسواق الأسهم العالميّة. يقول: "يعني هذا أن "سوناطراك"، بدلاً من أن توقع الحكومة تحت مديونيّة، ستتمكّن من استخدام رأسمالها المهمل خلال الأربعين سنة الماضية والذي لم يفكّر أحد في استخدامه إلى الآن. وهكذا، إن أرادت "سوناطراك" أن تقوم بعمليّة تجاريّة في المستقبل، ستكون لها كلّ الأدوات المتوفّرة لأي شركة خاصّة: ستتمكّن من أن تبيع أسهماً، أو تصدر سندات، أو تتبنّى أي آلية تمويل أخرى". وبحسب الوزير، ستستفيد وزارته من هذا التّرتيب، فهي ستتمكّن من التخلّص من كلّ الضّمانات الحكوميّة لقروض "سوناطراك". ويضيف الدّكتور خليل: "تصرف الحكومة حاليّاً 40% من إيرادات الصّادرات النّفطيّة والغازيّة لتغطية خدمة الدّين، لذلك لا أريد للحكومة أن تضمن أي تمويل في قطاعي. فمن يريد أن يقرض "سوناطراك"، عليه أن يقوم بذلك دون ضمانات حكوميّة. كذلك أقول لكلّ الذين عملوا مع "سوناطراك" كموفّرين للخدمات أو منشئين لها، لقد انتهى زمن توفير الخدمات، فقد أصبحتم شركاء، تأتون بأموالكم وتقومون بمشاريع مع "سوناطراك". نريدكم أن تأتوا، سواء كنتم كنديين أو يابانيين أو من أي جنسيّة. ضعوا أموالكم مع "سوناطراك"، وقوموا بمشروع معها، واقبضوا من أرباح المشروع".
أكبر مستثمر في الجزائر
وتُعتَبَر شركة "ب. پ." من أكبر شركات النّفط والغاز في العالم وهي على الإطلاق أكبر شركة خاصّة عاملة في الجزائر. وبعد اندماجها في العام 1998 مع شركة "أموكو" وشراءها لاحقاً لشركة "أركو"، ورثت أصول شركتي النّفط والغاز المعنيّتين، باتت الشّركة الجديدة الوريثة الفعليّة لأصول الشّركات الأساسيّة الثّلاث، بما فيها حقلين كبيرين للغاز وحقل للنّفط. بيد أن "ب. پ." تهتمّ أساساً بالغاز لأنّه أقلّ تلويثاً للبيئة من النّفط ويشهد طلباً متزايداً في أسواق الدّول النّامية التي تضع قيوداً على استخدام الموادّ الملوّثة للبيئة. وبفضل احتياطيّات الغاز الكبيرة التي تملكها الجزائر وقرب البلاد من الاتّحاد الأوروبي، ترى "ب. پ." أن لاستثماراتها في الجزائر دوراً أساسيّاً في سعيها الاستراتيجي للحفاظ على مكانتها المتقدّمة بين شركات النّفط والغاز العالميّة. هذا وتربط الشّركة عقود شراكة مع "سوناطراك"، أكبر شركة نفط وغاز عاملة في الجزائر والمملوكة بشكل كامل من قبل الدّولة.
يتركّز عمل الشّركة في عين صالح، وعين أمناس، وحاسي مسعود، ورورض الباغل. ففي عين صالح، أكبر مشروع لـ "ب. پ." في الجزائر على الإطلاق، تتولّى الشّركة و"سوناطراك" تطوير سبعة حقول غاز واستغلالها، ويُتَوَقّع أن يبلغ إنتاج هذه الحقول ذروته في العام 2003 ليبدأ بسدّ الحاجة المتزايدة للغاز في الأسواق الأوروبيّة. وتبلغ التّكاليف الإجماليّة لمشروع عين صالح 2،5 بليون دولار أميركي، فيما تُقَدّر كمّيّة الغاز الممكن استخراجها خلال الثّلاثين سنة المقبلة بتسعة بلايين متر مكعّب. وللمشروع أهميّة كبرى للاقتصاد الجزائري، فمن خلال صادراته عبر خط الأنابيب الذي سيربط المنطقة بحاسي الرمل بطول 500 كيلومتر، أحد أهمّ مواقع تصدير الغاز في البلاد، ثمّ بإسبانيا وإيطاليا، ستزداد صادرات الغاز الجزائريّة بمقدار 15%. وفي موقع رورض الباغل، القريب من حاسي مسعود، حيث يقع أكبر حقل نفطي لـ "سوناطراك"، أشغال نفطيّة لـ "ب. پ." بلغت تكاليفها إلى الآن 1،2 بليون دولار أميركي، وقد تضاعف إنتاج النّفط في الموقع من 22 ألف برميل يومياً حين بدأ العمل هناك في العام 1996 إلى 60 ألف برميل يوميّاً الآن، ويُتَوَقّع للإنتاج أن يبلغ 120 ألف برميل يوميّاً في العام 2004. وفي عين أمناس، تعمل "ب. پ." على مشروع بكلفة 900 مليون دولار أميركي، ويُتَوَقّع للحقول الغازيّة في المنطقة أن تبلغ ذروة إنتاجها في العام 2002، ويُقَدَّر حجم الاحتياطي في الموقع بـ 20 مليون متر مكعّب تحتاج إلى 20 سنة لكي تُستَنفَد. أما موقع "ب. پ." في حاسي مسعود، عاصمة الجزائر النّفطيّة، فهو الموقع الإداري الرّئيسي للشّركة الذي تُدار منه كلّ عمليّاتها في الجزائر. وإضافة إلى المباني التي تحتلّها مكاتب "ب. پ." في المنطقة، تقيم الشّركة أحياناً كثيرة خيماً لإيواء المعدّات التي تأتي بها لإجراء عمليّات المسح والحفر.
يقول مايكل هيفنير، رئيس مجلس إدارة "ب. پ." في الجزائر، إن شركته تسعى إلى بيع تسعة بلايين متر مكعّب من الغاز يوميّاً وهي تجري مفاوضات لبيع حوالي نصف هذه الكميّة إلى إيطاليا. ويعلّق آمالاً كبيرة على الشّركة التي أقامتها "ب. پ." مع "سوناطراك" في لاهاي في هولندا لتسويق إنتاجهما من الغاز. يقول: "لقد وضعنا شركة التّسويق في مكان قريب من المستهلكين لكي نتمكّن من تقديم أفضل الخدمات لهم". ويؤكّد أن الشّراكة مع "سوناطراك" مكّنت "ب. پ." من استخدام منشآت الشّركة الحكوميّة في مرفأي أرزو وسكيكدة لتصدير ما تنتجه من غاز في عين صالح. ويفخر هيفنير بالمشاريع الاجتماعيّة والزّراعيّة والحرفيّة التي تقوم بها شركته في جنوب الجزائر لتوفير فرص العمل للسكّان، مؤكّداً أن سياسة "ب. پ." تقوم على "المشاركة التّجاريّة من ناحية والعمل على إنشاء شراكة موازية مع المجتمعات المحليّة، لا سيّما في الدّول النّامية". ويضيف: "إنّ الجزائر مكان تشعر فيه بأنّك على الرّحب والسّعة. كذلك، يملك هذا البلد الكثير من الفرص السّانحة للاستثمار".

الجزائر وأوبك
تعتبر الجزائر من أبرز الدول الأعضاء في منظمة أوبك التي تتجسد فيها مشكلة تحقيق التوازن بين خفض الإنتاج وطموحات زيادة الطاقة الإنتاجية.
فقد أصبح الاقتصاد الجزائري محاصرا بين الالتزام بخفض الإنتاج الذي اتفقت عليه أوبك وبين إغراءات العائد الكبير على الاستثمار للشركات الأجنبية التي تطور حقول نفط جديدة لتدخل حيز الإنتاج بإيقاع سريع للغاية.
وبعد أسبوعين فقط من قرار أوبك تنفيذ خفضها الرابع للإنتاج خلال عام، قالت شركة إناداركو الأميركية إنها بدأت إنتاج 75 ألف برميل يوميا من حقل حاسي بركين الجزائري قبل شهرين من الموعد المقرر لبدء الإنتاج.
وقال مهدي فرضي المراقب والمستشار المخضرم لأوبك إن الإعلان عن إنتاج الحقل الجديد يثير التساؤلات بشأن التزام الجزائر بالخفض المتفق عليه.
والمشكلة لا تقتصر على الجزائر وإنما تنطبق كذلك على أي دولة عضو في أوبك تفتح أبوابها للشركات الأجنبية مثل نيجيريا وقطر. ولكن مع الفائض الكبير في الطاقة الإنتاجية التي ستدخل حيز الإنتاج في الأجل القصير، تعتبر الجزائر اختبارا صعبا لمدى التزام أعضاء أوبك أنفسهم بخفض الإنتاج.
وبذلك تكون الجزائر صاحبة أكبر تجاوزات لحصص الانتاج بعد ان اتخذت نيجيريا اجراءات للحد من الزيادة الانتاجية.وباستخدام مصادر ثانوية مختارة لتقدير الانتاج قالت المنظمة ان انتاج الجزائر تجاوز حصتها بنسبة 20 في المائة في مايو.وتبلغ حصة الجزائر الانتاجية 693 ألف برميل يوميا لكن البيانات اظهرت ان انتاجها بلغ 829 ألف برميل في مايو لتتصدر قائمة التجاوزات الانتاجية. وجاءت قطر في المركز الثاني تليها ليبيا
والجزائر تضع أوبك في اختبار صعب بشأن الالتزام بحصص الانتاج خاصة مع اقتراب موعد الاجتماع العادى لوزراءالنفط فى منظمة الدول المصدرة للبترول «اوبك» المقرر يوم 19 سبتمبر المقبل، فى مدينة اوساكا اليابانية. أكبر تحد نظرا لكونها محاصرة بين التمسك بحصص الانتاج التى أقرتها المنظمة والرغبة فى زيادة هذا الانتاج فى ظل وجود شركات استثمارية أجنبية فى هذا المجال تطور حاليا حقول بترول سوف تدخل حيز الانتاج قريبا.
وتبدو مواجهة هذا التحدى صعبة للغاية بالنظر الى الاستثمارات الأجنبية التى تغرى الجزائر بزيادة انتاجها خاصة وأنها تملك بالفعل مقومات هذه الزيادة كما أن البترول والغاز يمثلان سويا 95% من اجمالى صادرات الجزائر للعالم.
كما أن منظمة اوبك بدورها تجد نفسها فى اختبار يمس مصداقيتها ومدى قدرتها على تحقيق التزام الدول بحصصها المقررة بموجب قرار خفض الانتاج.
وكانت الجزائر قد قدمت طلبا رسميا مؤخرا لمنظمة أوبك برفع حصتها المحددة حاليا ب 693 ألف برميل يوميا دون أن تحدد حجم الزيادة التى تريدها ومن المقرر أن يدرس هذا الطلب الجزائرى خلال اجتماع اوساكا. وتبلغ الطاقة الانتاجية الحالية ويتعين أن تخفض الجزائر إنتاجها إلى أدنى مستوياته منذ سنوات بمقتضى أحدث خفض أعلنته أوبك، في حين تمضي قدما في خطط زيادة طاقة إنتاج النفط إلى 1.5 مليون برميل يوميا بحلول عام 2005. ويقدر بعض الخبراء ما تضخه الجزائر حاليا بنحو 850 ألف برميل يوميا أي أعلى بكثير من حصتها الجديدة البالغة 693 ألفا بمقتضى الخفض الذي بدأ تنفيذه مطلع يناير/كانون الثاني الجاري.
وتتطلب زيادة الطاقة الإنتاجية استثمارات تقدر بنحو 20 مليار دولار، لذلك لا يسع الجزائر أن تبلغ الشركات الأجنبية التي تأتي بالمال والتكنولوجيا بأن عليها أن تخفض إنتاجها أو أن تجمد مشروعاتها المكلفة لتلتزم بقيود أوبك.
ولم تهرب شركات النفط الأجنبية من الجزائر رغم العنف المسلح، ولكن بعض الشركات الأجنبية العاملة هناك وعددها 30 شركة قد ترحل إذا أدت قيود أوبك الجديدة إلى تقليص أرباحها بعد أن استثمرت ملايين الدولارات في المشروعات.
وأمام الجزائر بدائل أخرى لكل منها ثمنه, فشركة النفط والغاز الحكومية الجزائرية "سوناطراك" يمكنها تحمل عبء الخفض. لكن هذا الأمر خطير من الناحية المالية في بلد يعتمد على مبيعات النفط والغاز في الحصول على 95% من العملة الصعبة. ويقول الخبراء إن حصص الشركات الأجنبية من الطاقة الإنتاجية ترتفع في حين تتراجع حصة سوناطراك مما يزيد من صعوبة التزام الجزائر بقرارات أوبك.
ويمكن أيضا تسريب براميل إضافية في تجاوز حصة أوبك، وهو إغراء بذلت جميع الدول الأعضاء جهودا لمواجهته وغالبا ما فشلت في مقاومته على مر السنين. وإذا حدث ذلك ستواجه الجزائر الأضرار بمصداقيتها داخل المنظمة من ناحية وتقويض جهود أوبك لدعم أسعار النفط من ناحية أخرى.

عناصر دولة: