عناصر دولة
المملكة المتحدة.. بريطانيا
العلاقات البريطانية الايرلندية
يأتي قرار منح ايرلندا الشمالية الحكم الذاتي تتويجا لنضال دام أكثر من ربع قرن قاد فيه الجيش الجمهوري الايرلندي نضال شعب ايرلندا بمختلف طوائفه السياسية والدينية, وتفاقمت حدة الصراع بين الثوار الايرلنديين والحكومة البريطانية أكثر من مرة, وذهب المئات من المواطنين الأبرياء ضحية العديد من الانفجارات والصدامات العنيفة المسلحة .
واتسم الصراع في ايرلندا الشمالية في العديد من مراحله بالعنف الشديد والتطرف الحاد, وبالدرجة التي جعلت الحكومة في لندن تطلق وصف الارهابيين على الثوار الايرلنديين. وتحمست الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من مرة لوقف هذا الصراع الذي دام طويلا, هذا في الوقت الذي وقفت فيه الدول الأوروبية موقفا محايدا ومحاطا بالغموض والعديد من علامات الاستفهام, ومنها ألمانيا وفرنسا اللتان بدت مواقفهما في بعض الأحيان وكأنها مؤيدة للثوار الايرلنديين ومرحبة بتفتيت ما تبقى من كيان الامبراطورية البريطانية المترهلة, ويأتي حياد وسلبية الدول الأوروبية وايجابية وتفاعل واشنطن انعكاسا واضحا للمصالح المتباينة على الساحة الدولية في التعامل مع الأزمة الايرلندية, إلا انه في النهاية وكما يذهب الكثيرون فإن استقلال ايرلندا الشمالية يرضي طموحات متباينة لدى مختلف الجهات وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا وفرنسا, ففي الوقت الذي تأمل فيه واشنطن في علاقات قوية ووطيدة مع ايرلندا الشمالية يدعمها الكم الكبير من الايرلنديين المقيمين في الولايات المتحدة الأمريكية, تتطلع ألمانيا لمزيد من العلاقات مع ايرلندا الشمالية بحكم الروابط الكاثوليكية بينهما, وبحكم سعي برلين إلى احراز تقدم ومكانة أكبر على الساحة الأوروبية التي لا ينافسها عليها سوى لندن وباريس. أما فرنسا فبحكم الصراع التاريخي بينها وبين بريطانيا وبحكم تطلعاتها بقوتها النووية لاحراز مكانة أعلى في أوروبا, وأيضا بحكم صراعها المستمر مع واشنطن على الساحة الأوروبية وداخل قيادة حلف شمال الأطلسي وحليفتها المطيعة لندن. من هذا يتضح عدم حرص القوى الكبرى المحيطة ببريطانيا على وحدتها وبقائها دولة قوية وكبيرة. ولكن يبقى السؤال: هل تكتفي ايرلندا الشمالية بعد هذا النضال الطويل بما حصلت عليه من سلطات محدودة من الحكم شبه الذاتي في الوقت الذي احتفظت فيه لندن لنفسها بسلطات أساسية مثل الخارجية والدفاع والميزانية, أم أنها وقفة يحاول معها الايرلنديون تحصيل ما يمكن تحصيله وتصفية بعض الخلافات الداخلية واعادة لم الشمل والبحث عن أشكال جديدة للنضال تتناسب مع المتغيرات التي حدثت على الساحة الدولية في ظل سياسة القطب الواحد, خاصة وان الجيش الجمهوري الايرلندي قد فقد الكثير من مصادر تمويله الأساسية في السنوات الماضية, وهو الأمر الذي دفع قياداته للموافقة على تسليم ونزع أسلحتهم. ويبقى موقف التيارات المتشددة في ايرلندا الشمالية وخاصة الكاثوليك الذين يتعاملون مع بريطانيا على أنها دولة استعمارية تحتل ايرلندا الشمالية, وهو الأمر الذي يعكس عدم استقرار الأوضاع هناك بالشكل النهائي وينبئ باحتمالات اندلاع الصراع في ايرلندا الشمالية مرة أخرى من أجل الاستقلال الكامل عن بريطانيا.
يأتي حصول ايرلندا الشمالية على الحكم شبه الذاتي تكليلاً لنضال دام أكثر من ربع قرن من الزمان, وبقدر ما هو انتصار كبير لثوار الجيش الجمهوري الايرلندي, بقدر ما هو انتقال من النضال الاصغر الى النضال الاكبر, فإنه من المتوقع ان تتحول حلبة الصراع في بلفاست الى تناحر شديد وتنافس على السلطة بين الرفاق الاعداء من الكاثوليك والبروتستانت وغيرهما من المجموعات السياسية الاخرى, والذين كانوا منذ ايام قليلة وعلى مدى اعوام طويلة رفاقاً في نضال واحد من اجل الاستقلال, على الرغم من ان الحل الذي توصلوا اليه لم يرض كل الاطراف, وما زال الكاثوليك يكنون عداء وكرها كبيراً للحكومة البريطانية, وليس من المتوقع حتى في المستقبل القريب او البعيد ان تنخفض حدة العداء هذه خاصة وأنها عقائدية اكثر منها سياسية, وربما هذا هو السبب الذي جعل الكاثوليك الجمهوريين يرفضون بشدة بقاء القوات العسكرية البريطانية في ايرلندا, على الرغم من انها قوة محدودة حسب الاتفاق لا يزيد قوامها على 13 ألف جندي, ولكن الكاثوليك يعتبرونها قوات احتلالية والواقع ان موقف الكاثوليك من بنود اتفاق السلام التي تمنح ايرلندا الشمالية سلطة الحكم الذاتي لا يبعث على الاطمئنان ولا يعطي املاً كبيراً على استقرار الاوضاع في ايرلندا في المستقبل, فالكاثوليك معروفون بالشدة والتعصب اكثر من غيرهم, والكاثوليكي اذا لم يجد احداً يتهم بالكفر فإنه يتهم نفسه ويناضل من اجل تهذيبها, وهذه الطبيعة في الكاثوليك نجدها متمثلة فيهم بشكل واضح في بريطانيا البروتستانتية.
الموازين الدولية ورغم ان الصراع الديني بين الكاثوليك والبروتستانت في بريطانيا لم تسلط عليه الاضواء, ولم يشغل حيزاً كبيراً من الصراع الذي دام اكثر من ربع قرن في ايرلندا الشمالية الا أن بعض المحللين يتوقعون ان يبرز هذا الصراع في المستقبل على الساحة الداخلية في ايرلندا الشمالية على السلطة, وهو الأمر الذي سوف يعطي مبرراً مقبولاً لبريطانيا لتدخل مرة ثانية في بلفاست لحسم الصراع وتهدئة الأوضاع, ولهذا يقولون ان الامر يتوقف الآن وبشكل كبير على الحكومة الائتلافية من الكاثوليك والبروتستانت وزعماء الجيش الجمهوري الايرلندي, وجهودهم من اجل استقرار الاوضاع وتحقيق السلام والهدوء في ايرلندا, وعلى ما يبدو ان قيادات الجيش الجمهوري الايرلندي لديهم استعداد كبير للتفاهم بعد أن انهكتهم عقود ثلاثة من النضال المسلح وبعد ان تغيرت موازين القوى على الساحة الدولية بالشكل الذي لم يعد يضمن لهذا الجيش استمرار الدعم المادي والعسكري الذي كان يتلقاه من جهات مختلفة في العالم لم يعلن عنها صراحة في جولات الصراع والمفاوضات بين لندن وبلفاست. وجدير بالذكر ان جهات عربية كانت متهمة من قبل لندن بدعمها للجيش الجمهوري الايرلندي وامداده بالأموال والسلاح وعلى رأسها ليبيا, وكان هذا الامر رغم عدم طرحه بشكل علني يشكل مصدراً للخلافات والعداء المستمر بين لندن وطرابلس, وقد تغيرت الظروف والاوضاع الآن, ولم يعد في مقدور ليبيا بعد سنوات الحصار والعقوبات الاقتصادية ان تقدم الدعم الذي كانت تقدمه للجيش الايرلندي.
معايير الارهاب وما يهمنا ان نشير اليه هنا بعد التوصل لهذا الاتفاق التاريخي الذي منح ايرلندا الشمالية نظاماً شبه ذاتياً في الحكم هو كيفية تعامل الغرب مع اشكال التمرد وحركات النضال الداخلية, فقد دأبت لندن على مدى سنوات طويلة على وصف افراد الجيش الجمهوري الايرلندي والميليشيات الاخرى المقاتلة هناك من اجل الاستقلال بوصف (الارهابيين) وعلى الرغم من التفاهم والتقارب الكبير بين السياستين البريطانية والامريكية, وتفاهم لندن وواشنطن في مختلف المسائل والقضايا في شتى المجالات, الا ان واشنطن التي درجت على وصف غالبية الجماعات المناضلة ضد الانظمة الحاكمة في الدول الصديقة لها والخاضعة لسياساتها بالارهابيين لم تجرؤ ولا مرة واحدة على اطلاق هذا الوصف على افراد الجيش الجمهوري الايرلندي ولا على افراد المجموعات المسلحة الاخرى في ايرلندا الشمالية, هذا على الرغم من ان الشائع والنامي لعلم واشنطن دائماً ان هذه المجموعات المسلحة كانت تتلقى دعماً كبيراً من دول وجهات تتهمها واشنطن علناً بالارهاب, ولكن على ما يبدو ان الامر في ايرلندا الشمالية يختلف عن غيره في أنحاء كثيرة من العالم.
الانجليز في امريكا ويذهب البعض الى ان موقف واشنطن المحايد دائماً من النزاع في ايرلندا الشمالية يرجع الى النفوذ القوي للامريكيين الانجليز في الولايات المتحدة الامريكية والذين يشغل فيهم الايرلنديون النسبة الغالبة لدرجة ان كل امريكي من اصل انجليزي يطلقون عليه وصف (أيرش) اي ايرلندي وهو الامر الذي جعل واشنطن منذ البداية تتعامل بحذر وحياد واضحين مع الصراعات في ايرلندا الشمالية حتى عندما كانت تحتدم بشدة وتؤدي الى انفجارات قوية يذهب ضحيتها العديد من الضحايا من المدنيين وربما هذا ايضاً هو الذي يبرر في نظر البعض الجهود الكبيرة التي بذلتها واشنطن من اجل استقرار الاوضاع والأمن في ايرلندا الشمالية, ولما بات واضحاً للجميع تصميم الجيش الجمهوري الايرلندي على الاستمرار في النضال بقوة وشراسة في الوقت الذي تنمو فيه الدعوات المتطرفة بين الكاثوليك هناك والتي تتهم بريطانيا بالاستعمار والاحتلال, لم تجد واشنطن حلاً لهذه المشكلة المعقدة سوى التوصل الى اتفاق يرضي نسبياً الطرفين, ومن هذا المنطلق وخشية استمرار تفاقم الأوضاع هناك, تدخلت واشنطن بشكل مباشر وارسلت مبعوثها (جورج ميتشيل) الذي بذل جهوداً كبيرة في الوساطة ليس فقط بين لندن وبلفاست ولكن ايضاً بين الجماعات السياسية والعسكرية الموجودة في ايرلندا الشمالية وكان واضحاً الى حد كبير من جهود (ميتشيل) وعلى حد قول الوزير البريطاني لشئون ايرلندا الشمالية (بيتر ماندلسون) ان واشنطن تقف موقفاً محايداً من القوى المتصارعة, وان كل ما يهمها هو تحقيق التفاهم والسلام, وهو امر غريب على واشنطن التي غالباً ما يكون موقفها من اي صراع هو تغليب مصلحة احد الاطراف على الآخرين خضوعاً لتوازناتها الخاصة ولكن على ما يبدو ان توازنات واشنطن في ايرلندا الشمالية تختلف كثيراً.
مصالح واشنطن وربما يكون صحيحاً الى حد ما الرأي الذي يذهب الى ان واشنطن من مصلحتها ان تحصل ايرلندا الشمالية على استقلالها في المستقبل من بريطانيا ومن مصلحتها ايضاً ان تدعم كل القوى الموجودة في بلفاست من الآن سعياً منها لكسب حليف قوي في المستقبل على الشاطئ الشرقي من المحيط الاطلسي خاصة وان كبار رجال الاعمال والمستثمرين الايرلنديين مصالحهم مرتبطة الى حد كبير مع الولايات المتحدة الامريكية, بحكم وجود جالية ايرلندية كبيرة هناك منذ سنوات طويلة مضت, وسياسة الوفاق القائمة حالياً بين واشنطن ولندن ليست مضمونة بشكل كبير في المستقبل في ظل النمو المستمر للوحدة الاوروبية التي لا يتصور معه بقاء التحالف البريطاني الامريكي على المستوى نفسه من القوة التي هو عليها الآن, وان كانت هذه الحسابات ليس لها دور فعال في الازمة الآن, الا ان استراتيجيات الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة الامريكية عادة ما تعمل لعقود طويلة قادمة وتستفيد من الظواهر والظروف القائمة حالياً لأية توقعات مستقبلية.
الساحة الاوروبية اما على الساحة الاوروبية فقد لقي اتفاق السلام في ايرلندا الشمالية ترحيباً كبيراً لدى الدول الاوروبية الكبيرة وخاصة ألمانيا وفرنسا اللتان تتنافسان مع بريطانيا على زعامة أوروبا, وفي الوقت الذي تحاول فيها ألمانيا تحقيق أكبر الفوائد من وراء اتحادها بعد ضم المانيا الشرقية, وتسعى الى اثبات وجودها كدولة كبرى بداية على الساحة الاوروبية فإن مصلحتها ان تكون منافستها الاولى على هذه المكانة وهي بريطانيا الحليفة الاولى لواشنطن في وضع لا تحسد عليه ومعرضة للتفتت والانقسام, وخاصة ان ايرلندا الشمالية تسيطر عليها الى حد كبير الكنيسة الكاثوليكية التي تنتمي اليها ألمانيا. ايضاً فرنسا الخصم اللدود لبريطانيا في اوروبا, والتي تتطلع لتحقيق مكانة كبيرة في اوروبا وتسعى لدعم قوتها النووية حتى تساعدها على تثبيت هذه المكانة فلا شك ان اية محاولة للتقسيم والتفتت داخل بريطانيا ترضيها وتتفق مع طموحاتها وربما يبرر هذا موقف باريس من الصراع في ايرلندا الشمالية والذي كانت تشوبه احياناً بعض مظاهر التأييد للاستقلال عن بريطانيا ووصل الامر احياناً الى حد توجيه بعض الاتهامات من لندن الى باريس بدعمها وتأييدها للجيش الجمهوري الايرلندي, رغم نفي باريس لذلك.
اتفاقية السلام الايرلندية- البريطانية
فى العاشر من إبريل 1998 ، تم إعلان اتفاقية سلام بين جمهورية ايرلندا و بريطانيا و أحزاب ايرلندا الشمالية هدفها إنهاء ثلاثين عاما من الصراعات الأهلية فى المنطقة و تحقيق التجانس السلمى بين طوائف ايرلندا الشمالية و بعضهم، وبينهم و بين جمهورية ايرلندا.
وكانت هناك عدة عوامل مهدت طريق التوصل لهذه الاتفاقية أهمها اتفاق اقتراحات النقاط الأساسية الذى أعلن فى 31 يناير 1998 و الذى كان بمثابة قاعدة قامت عليها المفاوضات التى ادت الى الاتفاقية المذكورة. وكان قد تم مد فترة المفاوضات لمدة 48 ساعة لامكان التوصل إلى الاتفاقية بهذه الصورة و ذلك بسبب المشاكل العديدة التى تفجرت بين الأطراف المختلفة و التى أدت إلى انسحاب حزب أولستر الديمقراطى الاتحادى D.U.P من المفاوضات ،وهو الحزب الذى يتمتع بتأييد شعبى واسع فى شمال أيرلندا.
شارك فى المفاوضات ووقع على الاتفاقية عدد من الاحزاب فى ايرلندا الشمالية الى جانب الحكومة البريطانية، على النحو التالى :
أحزاب ايرلندا الشمالية الرئيسية وتضم :
* حزب أولستر الاتحادى (U.U.P) و هو حزب الاغلبية البروتستانتيه فى الشمال ويتزعمه ديفيد ترمبل. و يعرفون بالاتحاديين و يرغبون فى إبقاء الحال السياسى على ما هو عليه، أى إبقاء ايرلندا الشمالية كجزء من بريطانيا، مع وضع حد للعنف و التصادمات الدامية.
* حزب شن فن ( SF) و يعرفون بالقوميين ويقودهم جيرى آدمز ، وهو حزب كاثوليكى يناضل من أجل الاستقلال عن بريطانيا و الانضمام إلى جمهورية ايرلندا. وقد استخدم الحزب العنف كثيرا فى سنوات الصراع الماضية، وكان محلا للانتقاد من جراء ذلك.
* جمهورية ايرلندا ومثلها التاوسيخ آهرن ،ومنذ تأسيسها وهى تطالب بباقى أراضيها فى الشمال كجزء لا يتجزأ من جزيرة ايرلندا. وبالتالى بإنهاء علاقة الوحدة بين ايرلندا الشمالية وبريطانيا.
أما بريطانيا فقد مثلها رئيس الوزراء تونى بلير، وهى تسعى إلى تحقيق الاستقرار و السلام فى المنطقة و إلى وضع حد لعمليات التخريب و التفجيرات التى يقوم بها الجيش الجمهورى الايرلندى (I.R.A.)، التى تستهدف ليس فقط القوات البريطانية المتواجدة فى ايرلندا الشمالية و إنما تصيب المدنيين و الممتلكات فى انجلترا أيضا.
هناك عدة عوامل ساعدت على التوصل إلى الاتفاق بين الأطراف بصورته الراهنة، منها عوامل داخلية تخص بريطانيا و اخرى تخص الاحزاب الايرلندية ذاتها، كما يلى :
* إرهاق المجتمعات الايرلندية وشعوب المنطقة من دوام الصراع ورغبتهم فى إنهاء العنف، وهو ما دفع قادة الاحزاب الايرلندية الى ابداء المزيد من المرونة فى المفاوضات.
* رغبة بريطانيا فى الانتهاء من مشكلاتها الداخلية، فى إطار سياسة اللامركزية التى بدأ حزب العمل الذى يرأس الحكومة فى تطبيقها، سعيا للتفرغ للقيام بدور قيادى فى الاتحاد الأوروبي، ولانجاز وعود الحزب الانتخابية الاخرى.
اما العوامل الخارجية فهى :
* دور الولايات المتحدة واهتمامها بحل القضية الايرلندية نظرا للضغوط التى يمارسها الامريكيون من اصول ايرلندية، مما جعل المساهمة فى إيجاد حل للمشكلة أمر يحظى بشعبية كبيرة، يسعى ورائها أى رئيس للولايات المتحدة .
وقد لعب السيناتور روبرت ميتشيل و هو قاضى سابق دوراً محورياً فى مساعدة جميع الأطراف و الضغط عليهم لقبول اتفاقية ملزمة تضع حداً لأعمال العنف والتخريب. وكان ميتشيل بدأ علاقته بالمشكلة الايرلندية حينما عينه الرئيس كلينتون مستشاره الاقتصادى لشمال ايرلندا ورئيس المباحثات متعددة الأطراف فى قصر ستورمونت بعد رئاسته الناجحة 'لمجموعة واشنطن الثالثة' مع هارى هولكرى و الجنرال جون دى سلاين لدفع عملية السلام بعد تعسرها حول نقطة نزع السلاح والتقليل من القوات.
* دور الاتحاد الأوروبي والذى تبلور فى تحفيز الشعب الايرلندى على قبول الاتفاق السلمى وانهاء المواجهة العسكرية عبر تقديم منحة للشعب الايرلندى من خلال ميزانية خصة بقيمة400 مليون جنيها استرلينى لمدة خمس سنوات، من اجل اقامة مشاريع تؤدى الى تحقيق التجانس و التعايش السلمى بين المجتمعات المتنازعة، أملا فى أن يخلق هذا التجانس المناخ السياسى السليم لتحقيق السلام على المدى البعيد.
نظرة مستقبلية:
بالرغم من أن التوصل إلى هذه الاتفاقية يعد نجاحا فى حد ذاته إلا أنه لا يعدو أن يكون خطوة أولى فى طريق إنهاء الصراع نفسه.، لاسيما وأن الاتفاقية توفر الآليات والسبل لحل النزاع فى إطار مرن. ويعتبر الانتصار الحقيقى للاتفاقية هو حصر النزاع فى الإطار الدبلوماسى.
بيد ان العقبة الاكبر تكمن فى قدرة جميع الاطراف على إقناع مؤيديهم بقبول الاتفاقية و التصديق عليها فى الاستفتاء الذى سيقام فى 22 مايو المقبل. فعلى قادة الاتحاديين والقوميين فى شمال ايرلندا، إقناع أحزابهم أنه من خلال هذه الاتفاقية يستطيعوا تحقيق أغراضهم على المدى البعيد، وذلك مع الاخذ فى الاعتبار أن تلك الأهداف متعارضه الى حد كبير. فالاتحاديون اكتسبوا اعترافاً بأن ايرلندا الشمالية ستظل جزءاً من بريطانيا و أن أى قرار لتغيير ذلك يستلزم موافقة أغلبية سكانها وهم يعتمدون على تمتعهم بالأغلبية وشعورهم بأنهم بالتالى يسيطرون على القرار النهائى فى هذا الصدد. ولكنهم اضطروا إلى الموافقة على نظم للتمثيل و للتصويت للمجلس المنتخب لشمال ايرلندا لا تتناسب مع تفوقهم العددى.
أما القوميون فهم فى أمس الحاجة إلى اقتناء استراتيجية جديدة مختلفة لتحقيق أهدافهم لعدم توصلهم إلى أى نجاح ملموس فى خلال الفترة الطويلة الماضية. وقد يكون العمل بمقتضى هذه الاتفاقية بمثابة الأمل الوحيد لهم حتى ولو على المدى البعيد. و اكتسابهم لصفة رسمية داخل المجلس المنتخب يعد تقدماً فى حد ذاته.
أما قادة جمهورية ايرلندا فعليهم إقناع الحكومة بأن من مصلحتهم التصديق على الاتفاقية كخطوة نحو تحقيق وجود ايرلندا الموحدة وأن فى مقابل إقرارهم بأن مصير شمال ايرلندا سيتحدد من خلال شعبها فقط، يستطيعوا أن يكتسبوا موقعاً حساساً من خلال المجالس المشتركة بينهم و بين الشمال تؤهلهم فى التأثير بقوة على سياسات الشمال.
وبالنسبة لبريطانيا، فمكسبها الحقيقى هو الاستقرار الداخلى ووضع حد لمشكلة لازمتها عبر الثلاث عقود الماضية دون أن تتنازل عن حقها فى ايرلندا الشمالية .ولكن مقابل ذلك اضطرت إلى قبول منفذ قد يؤدى إلى فقدانها لايرلندا الشمالية مستقبلاً.
هيكل إتفاق السلام الإيرلندىـ البريطانى
* تستند الاتفاقية فى أحد أهم مبادئها من البيان الذى وقعه رينولدز عن جمهورية ايرلندا وجون ميجور رئيس وزراء بريطانيا السابق عام 1993 الذى ينص على حق شعوب ايرلندا الشمالية فى تحديد مصيرها.
* الاتفاقية مقسمة إلى عدة أجزاء على النحو التالى:
ديباجة تأييد وتقديم للاتفاق وفيها إعلان جميع الأطراف معارضتهم لاستخدام العنف ورغبتهم الصريحة فى التوصل إلي حل سلمى للمشكلة، من خلال الثقة المتبادلة واحترام حقوق الأخريين.
* الأمور الدستورية: حيث تم الاتفاق على:
ـ إلغاء القانون الخاص بحكومة ايرلندا الذى يفرض سيادة بريطانيا على الجزيرة كلها.
ـ تأييد حق جميع سكان ايرلندا الشمالية فى حمل جنسيات ايرلندية و / أو بريطانية، و الاتفاق على عدم تغيير هذا الوضع مهما تغير وضع ايرلندا الشمالية السياسى.
ـ الاستناد الى مبدأ الإرضاء الشعبى فى اى خطوات يتم اتخاذها بشأن مستقبل ايرلندا، وهو يعتبر من أهم ما توصلت إليه الاتفاقية. مع الاشارة الى أن جميع الأطراف متفاهمون حول أن معظم سكان ايرلندا الشمالية يرغبون فى الاستمرار كجزء من بريطانيا ولكن معظم سكان جزيرة ايرلندا ككل ومعهم أقلية لا بأس بها من الشمال يتطلعون إلى تكوين ايرلندا متحدة أى انفصال شمال ايرلندا عن بريطانيا. و لن يتم تغيير أى موقف سياسى لايرلندا الشمالية إلا بموافقة سكانها، أى من خلال إقامة الاستفتأءات التى تقام بأمر من وزير الخارجية البريطانى و تكون المدة بين الاستفتاء و الآخر سبع سنوات، على الأقل.
* بالنسبة لمتن الاتفاقية فتنقسم إلى ثلاثة مسارات لتحديد العلاقة بين الأطراف و لخلق المناخ والآليات لحل المشكلة.
المسار الأول: ينص على قيام مجلس منتخب لشمال ايرلندا عدده 108 فرد ممثلين لجميع فئات المجتمع سواء من الاتحاديين أو القوميين، يقومون بانتخاب الوزير الأول ونائب الوزير الأول و باقى الوزراء لاتخاذ القرارات الخاصة بإدارة ايرلندا الشمالية تحت رعاية وزير الخارجية البريطانى. وقد صمم نظام التصويت الداخلى للمجلس بما يحتم التعاون بين الاتحاديين والقوميين للتصديق على القرارات و المشاريع المتنوعة المطروحة أمام المجلس.
المسار الثانى: حيث تم الاتفاق على إنشاء مجلس وزارى شمالى / جنوبى يضم ممثلين من أعضاء مجلس ايرلندا الشمالية الذى تم إنشائه فى المسار الأول و بين ممثلين أعضاء فيما يعتبر بمثابة مجلس شعب جمهورية ايرلندا. و قد تم إنشاء هذا المجلس لفتح قناة للتشاور بين الأطراف للبت فى الأمور المشتركة بين الشمال و الجنوب، و يساند أعمال المجلس سكرتارية مشتركة.
المسار الثالث: إنشاء مجلس بريطانى/ ايرلندى يضم ممثلين لكل من بريطانيا و جمهورية ايرلندا وأيضا لهيأت شمال ايرلندا و اسكتلندا وويلز، وجزيرة مان وجزر التشانيل، لتبادل المعلومات ولنقاش الأمور المشتركة ووسائل التعاون بينهم البعض. اما بشأن متابعة أى قرارات يتوصل إليها المجلس فهى أمر اختيارى لجميع الأعضاء.
* انشأت الاتفاقية لجنة حقوق إنسان فى ايرلندا الشمالية وأخرى فى جمهورية ايرلندا لمتابعتها وللحفاظ عليها خاصة حقوق الأقليات ويتم إنشاء لجنة مشتركة من اعضاء من اللجان السابقة للنظر فى الأمور المشتركة.
* المضى قدما فى التقليل من القوات العسكرية والشبه عسكرية المتواجدة فى المنطقة و بحث سبل الحفاظ على الأمن فى ايرلندا الشمالية.
ومن المؤكد ان الاتفاقية تتماشى مع رغبة الأغلبية سواء فى بريطانيا او ايرلندا فى وضع حد لاعمال العنف و التخريب. ولكن الامر مازال متوقفا على نتيجة الاستفتاء الشعبى عليها . ورغم ان احتمال عدم الموافقة الشعبية عليها هو احتمال ضعيف ، ولكن فى حال حدوثه فسيمثل ضربة قاصمة لعملية السلام الايرلندية لان من الصعب التوصل إلى اتفاقية أخرى أكثر مرونة فى صيغتها أو متطلباتها. وسيكون هذا الفشل موضع إحراج سياسى لبريطانيا و أيضا للولايات المتحدة، التى قامت بدور مساعد فى التوصل اليها .
واللافت للنظر أن الأمل الوحيد ان لم يتم الموافقة الشعبية على الاتفاق ، قد يكون للاتحاد الأوروبي والبرامج الاجتماعية و الاقتصادية المشتركة التى سيمولها والتى تبتعد عن تأثير القيادة السياسية للأطراف المتنازعة وتستهدف الشعوب نفسها.
عناصر دولة:
السِّمات الجغرافيّــة لبريطانيا
تفاصيل عنصر السكان في بريطانيا
تفاصيل النظام السياسي لبريطانيا
الانتخابـات البريطانيـــة الأخيرة
تفاصيل النظام الأقتصادي البريطاني
تفاصيل النقل والاتصالات في بريطانيا
المحطات التاريخية لبريطانيا
ثروات الأسرة المالكة البريطانية
تفاصيل القوات المسلحة في بريطانيا
بريطانيا والإتحاد الأوروبي
حرب الفوكلاند
العلاقات البريطانية الايرلندية
العلاقات البريطانية الامريكية
العلاقات البريطانية الصهيونية
النفوذ البريطاني في أفريقيا
المسلمون في بريطانيا
الجزر والمستعمرات التابعة للتاج البريطاني